في زمن امتدّت فيه أيادي التسوق الإلكتروني لتلامس حنايا حياتنا، يشيع بين الناس أن الدفع عند الاستلام هو الملاذ الآمن والمرفأ الذي يحميهم من عواصف بطاقات الائتمان، لكن هذا الطمأنينة ما هي إلا وهم تبنيه سرعة الزر الواحد، فيتحول القرار بيد خوارزميات لا ترحم، ونستحضر هنا كلام المفكر مالك بن نبي عن قابلية الاستعمار، فنرى اليوم قابليّة الاستهلاك تشدّنا إلى غابات رغبات مزيفة تبتلع وقتنا وأموالنا، فتراكم العروض والخصومات الوهمية؛ حكاية تعيد تشكيل البيت والمجتمع على نحو غامض.
وقد حذر الدكتور مصطفى محمود في كتابه عصر القرود من عبودية الشهوات، ونحن اليوم نعيشها، فالمتجر الرقمي ساحر يحول كل نقرة إلى شهوة، وكل شهوة إلى عبودية، تتداخل الأشياء المادية مع قيمنا، فيصبح الحديث ليس عمّا نحتاج، بل ما نريد، ويتحوّل السوق إلى محراب نصلي فيه بطقوس الاستهلاك، بينما تخبو فيه أصوات الحكمة والاعتدال، فالبيت يحتضن طرودا لا تجلب سوى الفراغ العميق، والقلوب تصير رهينة للسوق بسلبياته، لا بانتصاراته، يظل الإنسان حائرا بين الراحة الرقمية والقلق الغائر.
وفي مواجهة هذا الإغراء الدائم، يبقى الأمل في استعادة إرادتنا مشروطا بالتركيز على بناء وعي مستنير، ويجب أن يكون التسوق قرارا واعيا، مبنيا على فهم الحاجة الحقيقية، وميزان الكفاية، فكما يستعيد الرياضي لياقته بتدريبات واعية، يمكن للإنسان أن يعيد بناء توازنه الرقمي عبر ضبط زمن الشاشة، وتقليص الطلبات، ومناقشة الأسرة في حدود الاستهلاك.
ولن يكون السوق بعد ذلك هو الحاكم، بل العقل والقلب وصوت الحكمة، وهنا تنشأ الحرية الحقيقية، وتُرسم ملامح عالم جديد لا يخضع لرغبات مصطنعة وإنما لنقاء الفطرة وصدق الرجاء، فمن يملك انتباهك يقترب من امتلاك قرارك، والتحدي الأكبر كيف نظل أحرارا ونحن نمارس أبسط عمليات الشراء في زمن السوق الكونية المفتوحة.

