حين تصفحت كتاب مسار الأسرة للدكتور عبد الكريم بكار، لم أجد نفسي أمام تنظير فلسفي متعال أو أحلام مثالية يصعب تطويعها في يومياتنا المعقدة، بل وجدت خارطة طريق شديدة الواقعية، تحاول انتشال الأسرة من حالة العفوية المرتبكة إلى حالة الوعي المخطط.
الكتاب الذي يفتتح سلسلة التربية الرشيدة، يضعنا أمام سؤال المواجهة: هل نسير ببيوتنا نحو وجهة محددة، أم أننا مجرد ركاب في حافلة يقودها غيرنا؟يرسم بكار أربعة أركان صلبة تمثل الهيكل العظمي لهذا المسار، أولها ركن الرؤية الذي يلح فيه على ضرورة وجود مرجعية واضحة تنبثق من هويتنا، فلا يصح أن نربي أبناءنا في فضاء مفتوح دون سقف يحميهم.
ثم ينتقل إلى ركن القيم، وهنا يبرز الجانب العملي في طرحه؛ فالقيم عنده ليست معلقات أدبية، بل هي ممارسات يومية كالصدق والعدل واحترام النظام، وهي قيم تمثل صمام الأمان الذي يحكم سلوك الأفراد حين تغيب رقابة الوالدين.
أما الركنان الآخران، فهما العلاقات والمهمة، حيث يربط بين جودة العلاقة بين الزوجين وبين نجاح العملية التربوية، مؤكدا أن البيت المشحون بالتوتر لا يمكن أن ينتج نفوسا مستقرة مهما بلغت دقة النصائح. وفي المهمة، يضعنا أمام مسؤولياتنا الحقيقية التي تتجاوز مجرد الرعاية المادية، لتشمل التدبير المالي الحكيم والاشتراك في التعلم المستمر.
إن واقعية بكار تتجلى في اعترافه بصعوبة العصر وتحدياته، لكنه يصر على أن وضوح المسار هو الذي يجعل من الأسرة كيانا مقاوما للتفتت، وقادرا على صناعة إنسان يمتلك إرادته وسط ضجيج هذا العالم.

