تغيرت الأذواق في عصر التضخم الرقمي، فلم يعد الأكل الصحي هدفا، ولا الصحة البدنية غاية، فمأكولات الفاست فود وما يقتنيه مشاهير الانستغرام والتيك توك من أطعمة وتحديات الترندات الغذائية باتت تتربع على حيز وافر مما نأكله، كما أن الذهاب إلى الصالات الرياضية والتدريب والإكثار من البروتينات التجارية خصوصا لدى فئة الشباب؛ ليس للحفاظ على الصحة واللياقة البدنية بل الغالبية يقصدون صالات “الجيم” لإبراز صدر أو نفخ ذراع لفترة مؤقتة تأسيا بذوقيات الترند!
والمفارقة الصارخة اليوم هي أن “طاولة الطعام” باتت تصل إلى “قصة الفيسبوك” قبل أن تصل إلى الفم، وكأن اللذة لم تعد في المذاق بل في عدد المشاهدات، فنرى العائلات تجلس أمام أطباقها صامتة، لا لتسمي الله وتبدأ، بل لتضبط الإضاءة والزاوية المناسبة للتصوير، لقد تحولت الخصوصية من منطقة مقدسة إلى مشاع رقمي، وصار الطعام مجرد “أكسسوا” في مسرحية الاستعراض اليومي، وكأننا نعيش لنُثبت للآخرين أننا نعيش، لا لنستمتع بحياتنا فعلا.
هذا الانكشاف الطوعي للذات يذكرنا بما سماه “غي ديبور” بـمجتمع الاستعراض، حيث يتم استبدال “الكينونة” بـ”المظهر”، فالمهم ليس ما تأكله أو كيف تبدو صحتك، بل كيف يراك الآخرون في فضاء المنصة، إننا نعيش حالة من “الاستلاب الرقمي” التي تجعل المراهق يشعر بالقلق إذا تناول وجبة فاخرة ولم يوثقها، وكأن الوجبة التي لا تُنشر لا تُهضم، وهو ما يعكس هشاشة في تقدير الذات يبحث صاحبها عن ترميمها بـ “لايكات” عابرة من غرباء خلف الشاشات.
إن المخرج من هذا القالب الرقمي الضيق يستوجب ثورة على “نمذجة المشاعر”، واستعادة حميمية اللحظات بعيدا عن عدسات الهواتف، فالحياة الحقيقية هي تلك التي نعيشها بحواسنا الخمس، لا التي نختزلها في فلاتر وتطبيقات، وبات لزاما عليا أن نعيد لبيوتنا هيبتها ولطاولاتنا خصوصيتها، فلا يدخلها “الغرباء” عبر البث المباشر مع كل لقمة، وإن استعادة التوازن تبدأ حين ندرك أن أجمل اللحظات هي تلك التي تبقى في الذاكرة لا في “الأرشيف الرقمي”، وأن قيمة الإنسان تقاس بعمق أثره لا ببريق صوره.

