كان الطفل يعرف العالم عبر ركضة في الزقاق، وجرح بسيط في الركبة، ودهشة أول كرة تضيع فوق سطح جار، كان اللعب مدرسة بلا جدران، يتعلم فيها التفاوض، والاختلاف، والصبر، والخسارة، والانتصار، أما اليوم فقد صار كثير من أطفالنا يكتشفون العالم عبر شاشة مسطحة، لعبة إلكترونية، أو فيديو قصير، أو تحدٍّ جديد، فتضاءلت مساحة الحي واتسعت مساحة الإنترنت، وصار السؤال التربوي الملح: أيهما يربّي خيال أبنائنا اليوم، تلك اللعبة التي تُلعب بالجسد والعرق، أم تلك التي تُحرَّك بالأصابع والضغطات؟
تشير الأبحاث الحديثة حول الطفولة ووقت الشاشة إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة في السنوات المبكرة يرتبط بتأخر بعض المهارات التنفيذية مثل التركيز، وضبط النفس، وحل المشكلات، لأنها مهارات تنمو أساسا في التفاعل الحي مع الأشياء والناس، لا في الفرجة السلبية على المحتوى الجاهز.
وينمي اللعب في الحي لدى الطفل قراءة الوجوه، وفهم الإشارات، واحترام الدور، وتحمّل نتيجة الخطأ، أما اللعب الرقمي فيقدم له عالما يمكن إعادة ضبطه بزر واحد، وحياة بلا جروح ولا تراب ولا مسؤولية حقيقية، فيعتاد واقعا قابلا للإلغاء إذا لم يعجبه، وهذا خطر على توازنه النفسي والاجتماعي مستقبلا.
ومع ذلك، لا يمكن أن نتجاهل أن الإنترنت يفتح أيضا أبواب تخيل ومعرفة، فمن خلاله يمكن للطفل أن يرى عوالم لم يكن ليصل إليها، ويتعلم مهارات ولغات وأفكارا جديدة، لكن هذه الإمكانات لا تثمر إلا إذا بقيت الشاشة جزءا صغيرا من يومه، لا اليوم كله، فالطفل الذي يلعب في الحي ثم يعود ليشاهد فيديو أو يجرب لعبة رقمية، يوازن بين خيال يتحرك في الخارج، وخيال يُثريه من الداخل، أما الذي حُبس في غرفة ومعه جهاز فقط، فإن خياله يضيق رغم اتساع الصور أمامه.
دورنا كأولياء ليس إعلان الحرب على الإنترنت، بل إعادة الاعتبار للحي، بأن نعيد لأطفالنا حقهم في الضجيج الجميل في الساحة، وفي الدراجة، والكرة، واللعب الجماعي، وأن نجعل الشاشات مكملا لا بديلا.

