تناول الدكتور نايف بن نهار سؤالًا جوهريًا حول سر تفاوت الناس في قدرتهم على فهم القرآن وتدوير معانيه واكتشاف عمقه عبر العصور، يبين الدكتور أن بركة القرآن تكمن في قابليته الدائمة لاستنباط الأفكار والمعاني الجديدة، موضحًا أن هذا التفاوت يعود إلى ثلاثة عوامل أساسية: الرصيد القرآني لدى الإنسان ومدى تواصله مع القرآن، تفاعل الإنسان مع عقله ومداركه النقدية، وتفاعله مع الواقع الحياتي والاجتماعي والسياسي.
ويقدم نايف بن نهار منظومة تفسيرية متكاملة تعتمد على الفهم العميق للنص وتفعيل العقل وربط الرسالة القرآنية بقضايا الحياة الفعلية، مؤكدًا أن القرآن ليس خطابًا جامدًا بل أداة إصلاح ديناميكية لا تتوقف عن الإبداع في كل عصر.
تمهيد إشكالية تفاوت الناس في فهم وتدوير معاني القرآن
يبدأ الدكتور نايف بطرح سؤال محوري: لماذا تتفاوت مستويات الناس في فهم وتدوير معاني القرآن الكريم؟ يسلط الضوء على ظاهرة واضحة هي أن بعض الأشخاص يستطيعون الحديث لساعات طويلة عن سورة قصيرة كسورة الكوثر، فيما يعجز آخرون عن تقديم أي تأمل حولها. يشير المحاضر هنا إلى أن القرآن نفسه وصف بأنه “كتاب مبارك”، والبركة تعني القابلية اللانهائية لنمو الخير والمعاني، لذا يظل محتوى القرآن متجددًا عبر العصور، ويستطيع كل جيل أو فرد أن يكتشف فيه أجوبة لأسئلته الخاصة دون أن ينقص من معاني القرآن شيء. يتبين إذًا أن التفاوت في الفهم ليس لأن القرآن محدود، بل لأن عملية التدبر والتثوير مرتبطة بحيوية المتلقي وتفاعله.
العامل الأول: الرصيد القرآني ومدى الاتصال بالنص
ينتقل نايف بن نهار لتفسير السبب الأول في هذا التفاوت وهو “الرصيد القرآني” لدى الفرد. يوضح أن إدراك دقائق أسلوب القرآن واستيعاب حكمته في اختيار الكلمات أو الأساليب لا يحدث بمجرد القراءة العابرة، بل بتكرار الخلطة والمعايشة مع النص. يضرب أمثلة من سورة البقرة كدلالة على ضرورة تتبع السياقات القرآنية لمفاهيم مثل “المتقين” أو “الحمد”، وكيف أن معرفة معهود القرآن في هذه المفردات يستدعي تتبع كافة الورود لها في المصحف.
ويشير إلى أهمية الرصيد التراكمي القائم على تتبع الاستعمالات القرآنية، وعدم الاكتفاء بالفهم المعجمي وحده. إن كثافة هذا الرصيد وتمرس الإنسان في تدبر الآيات تعطيه قدرة أكبر على تدوير واكتشاف المعاني الجديدة في الآيات والمسائل القرآنية.
العامل الثاني: تفاعل العقل وقدرته على النقد والمقارنة والتأمل
يتعمق نايف بن نهار في السبب الثاني، مبينًا أن القرآن يخاطب العقل الفعّال، وأن الذي اعتاد تشغيل عقله في مقارنة الأفكار ونقدها وتأمل حدودها وثغراتها هو الأقدر على استنتاج المعاني القرآنية وتجديد حضورها. يستخدم أمثلة من الفاتحة حول دلالة استعمال صفة “الرحيم” تحديدًا، وقيمتها في السياق الإلهي، شارحًا أن العقل وحده (وليس مجرد اللغة أو الدراسة التاريخية للنصوص) يعين على اكتشاف الحكمة والدلالات الدقيقة.
يذكر اهتمام القرآن بجعل الفئات المعنية بالخطاب هم أهل العقول الفعالة، مستشهدًا بلومه لقريش لعدم استعمالهم عقولهم في التحليل والتدبر، وبالتالي بقائهم بعيدين عن جوهر الخطاب القرآني. يستكمل بقصة الوادي والسيل القرآنية (آية: فَسَالَتْ أَوْدِيةٌ بِقَدَرِهَا)، مدللاً على أن قصور معاني القرآن في عقول الناس ليس من قلة النص، بل من ضيق المدارك، وأن الاتساع يحصل بتوسيع شبكة التفكير العقلي.
العامل الثالث: التفاعل مع الواقع وفهم قضاياه وتوظيف القرآن
يوضح د. نايف بن نهار أن سبب التفاوت الثالث هو مدى اندماج الناس مع الواقع الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي. القرآن جاء لإصلاح الحياة وليس لطرح نموذج فلسفي منعزل، لذلك كلما كبر تفاعل الإنسان مع واقعه وتعمق في مشكلاته صار أقدر على فهم المراد من التشريعات والأحكام القرآنية. يورد مثالًا حول قدرة أهل الخبرة في مجال المصارف الإسلامية على فهم الأفكار الجديدة وتقييمها خلافًا لعامة الناس، وكذلك قدرة العاملين في قضايا الأسرة أو السياسة أو الاقتصاد على استنباط وتوظيف الآيات القرآنية المتعلقة بحقولهم. يشدد أن ربط المعارف الإنسانية المعاصرة بالتدبر القرآني يفتح آفاقًا واسعة لاستنباط دلالات جديدة، وأن من يتعمق في علوم السياسة أو الاقتصاد سيجد الكنوز القرآنية المتعلقة بواقعه.
نحو ديناميكية الفهم: تفاعل القرآن مع متغيرات الزمان والمكان
يختم الدكتور بن نهار ببيان الفرق بين جعل القرآن تابعًا للواقع، أو جعله متفاعلًا ومؤثرًا فيه. المقصود هو وصل روح النص بالمعطيات المتجددة، لتحقق الفهم المقاصدي الدقيق الذي يستوعب تغير الزمان والحال. يذكر مثال عمر بن الخطاب حين أوقف سهم المؤلفة قلوبهم ليس تعطيلًا للنص، بل استجابة لمتغيرات الواقع التي تبدلت علة الحكم الأساسي بسببها.
يؤكد الدكتور نايف أن بلوغ أعلى مراتب الفهم يحتاج فقه مقاصدي ودرية دقيقة بالقرآن ومعطيات الواقع معًا، مسلطًا الضوء على أهمية “تحقيق المناط” لدى الأصوليين. يوضح أن الإنسان هو الجسر الذي ينقل أحكام القرآن من مرحلة التنظير إلى إصلاح الواقع، مشددًا على ضرورة التفاعل والتكامل بين النص والعصر، وأن الفجوة في الاستنباط غالبًا ما تعود إلى قصور التفاعل مع العقل أو مع الواقع، وليس إلى ضيق في آفاق القرآن ذاته.

