نشرت جريدة “الأخبار” الصادرة يوم الثلاثاء الموافق 22 أبريل 2025 مقالًا حول الأستاذ الدكتور محمد شعبان، أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة تايوان، الذي يوصف بـ “حارس النزاهة البحثية”.
يستعرض المقال أبرز أفكاره المتعلقة بظاهرة تسابق الجامعات للحصول على تصنيفات متقدمة، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على مستقبل البحث العلمي. وقد نقل كاتب المقال عنه قوله:
إن متابعة صفحة الدكتور محمد شعبان على فيسبوك تكشف عن جانب آخر لشخصيته، وهو الوجه الذى يمكن وصفه بأنه «حارس النزاهة البحثية»، وهو الانطباع الذى ترسخ لدى الكاتب أثناء متابعته لتغريداته اليومية. فقد وهب الدكتور شعبان نفسه للتصدى لآفة تهدد أسس البحث العلمي، وتتمثل في «الاستسهال والتزييف والغش الأكاديمي».
يحذر الدكتور شعبان من تنامي حجم الإنتاج البحثي على حساب جودة البحث العلمي ، ويتساءل باستنكار: «هل من المعقول أن ينجز باحث طبيعى 40 بحثاً فى السنة؟». ويجيب على هذا السؤال بنفسه بالإشارة إلى الممارسات المشبوهة التي تكمن وراء هذا الكم الهائل من الأبحاث، وعلى رأسها نشاط «سماسرة الأبحاث» و»مصانع الأوراق البحثية»، التي حولت العلم إلى مجرد سلعة. ويثير التساؤل حول الفرق بين «سماسرة الأبحاث « و»مصانع الأوراق».
يوضح الدكتور شعبان أن سماسرة الأبحاث هم في الغالب باحثون ينتمون إلى جامعات غنية تسعى إلى تحسين مركزها في التصنيف الأكاديمي. يلجأ هؤلاء السماسرة إلى استغلال ميزانيات جامعاتهم الكبيرة لتمويل نشر أبحاث لباحثين آخرين، يكونون في الغالب من دول نامية، مقابل إضافة أسماء باحثي الجامعات الغنية إلى تلك الأبحاث. أما «مصانع الأوراق البحثية»، فهي عبارة عن مؤسسات أو مكاتب تقوم بإعداد الأبحاث وبيعها جاهزة للباحثين، الذين لا يحتاجون إلا إلى دفع المال لإدراج أسمائهم على تلك الأبحاث.
يرى الدكتور شعبان أن هذا الأسلوب من النشر البحثي، الذي يقف وراء الاهتمام المبالغ فيه بالتصنيف، قد انتشر في بعض الجامعات الخليجية التي كانت تطمح إلى اتباع نهج جامعة هونج كونج في جذب الكفاءات. إلا أن هذه الجامعات تراجعت عن هذا الهدف وأصبحت تركز بشكل أساسي على عدد الأبحاث المنشورة بدلاً من جودتها. ويشير إلى أن جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية تحاول أن تسير على خطى جامعة هونج كونج في استقطاب الكفاءات المتميزة، لكنها لم تصل بعد إلى نفس مستوى الجودة.
ويشدد الدكتور شعبان على أن الحل الجذري لهذه المشكلة يكمن في «تغيير معايير التقييم»، بحيث يتم إعطاء الأولوية لجودة الأبحاث المنشورة وليس لكميتها، وتخليص الجامعات من هاجس التصنيفات الذي يدفعها نحو تكديس الأوراق البحثية على حساب الهدف الأساسي من البحث العلمي.
يحذر الدكتور شعبان الجامعات الناشئة من الوقوع في فخ التباهي بالأرقام والإحصائيات الكبيرة، وذلك في محاولة لإثبات تفوقها على الجامعات ذات التاريخ الطويل والعراقة. كما يشير إلى أن بعض الجامعات الخاصة تستخدم عدد الأبحاث التي تنشرها كأداة لجذب الطلاب، متجاهلة أن التقييم الحقيقي يكمن في القيمة العلمية للأبحاث وليس في كثرة الأعداد.
ويوضح أن بعض الجامعات في الهند بدأت تدرك خطورة هذا الأمر، وتقوم بإطلاق مبادرات تهدف إلى مراقبة النزاهة البحثية وكشف المتورطين في التعامل مع سماسرة الأبحاث ومصانع الأوراق البحثية.
يؤكد الدكتور شعبان أن نشاطه في هذا المجال لا يستهدف أي شخص بعينه، وإنما يهدف إلى توعية المجتمع الأكاديمي والبحثي بأهمية النزاهة. ويدعو إلى الاعتماد على المنطق وحده في تقييم الحالات المختلفة، ويقدم مثالًا واقعيًا لباحث قام بنشر 15 مراجعة بحثية (Review) في عام واحد فقط، في حين أن إعداد مراجعة واحدة عادة ما يستغرق عدة سنوات من الخبرة والمعرفة المتراكمة.
ويعرب عن أسفه الشديد لما وصفه بـ «تسلل الاستسهال إلى عقول الأجيال الجديدة»، مشيرًا إلى أنه يتلقى رسائل من طلاب جامعيين في المراحل الدراسية الأولى يسألون عن كيفية النشر البحثي، على الرغم من أن الكثير منهم ليسوا من الطلاب المتفوقين. ويتساءل: «كأن البحث العلمى تحول إلى مطبخ، يدخل فيه الباحث ليخرج بعد دقائق بوجبة جاهزة!».
ويحذر الدكتور شعبان من أن دخول الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي قد يزيد الأمر تعقيدًا، حيث أصبح أداة سهلة لإنتاج محتوى بحثي دون بذل جهد حقيقي. وعلى الرغم من وجود أدوات للكشف عن هذا النوع من التزييف، إلا أنه يتوقع أن يتطور الذكاء الاصطناعي ليصبح أكثر قدرة على التمويه والتغلب على هذه الأدوات، فيما يشبه «لعبة القط والفأر». ويؤكد هنا أن الخبرة الشخصية للمشرف الأكاديمي لا تزال هي الحماية الحقيقية، لأنه يكون على دراية بقدرات طلابه ومدى منطقية ما يقدمونه من أعمال.
وعلى الرغم من تعرضه لانتقادات شديدة، يصفها بـ «الإرهاب المعنوي»، بسبب مواقفه الحازمة، فإن الدكتور محمد شعبان يؤكد تصميمه على الاستمرار في معركته من أجل الحفاظ على النزاهة العلمية، إيماناً منه بأن «العلم لا يقوم على المجاملات، بل على الصدق والأمانة والاجتهاد الحقيقى».
نقلا عن حوار الاستاذ الدكتور محمد شعبان مع جريدة الأخبار.


لا تعليق