أشار المفكر إريك فروم إلى “أن الإنسان يفضِّل بأن يظهر بمظهر المتدين بدل أن يكون متدينا حقا” وهذه العبارة تكتسب رهانا كبيرا في زمن العواطف التيكتوكية، حيث صار التدين يُمارَس أحيانا أمام الكاميرا أكثر مما يُعاش في السرائر.
ففي عصر الشاشات الصغيرة، أصبح نشر آيات قرآنية، صور العمرة، أو مقاطع الوعظ القصيرة… ظاهرة لافتة! ولا ينكر أحد أن هذا المحتوى يسهم في نشر القيم والروحانيات وزيادة الشعور بالانتماء للشريعة السمحاء، لكنه في المقابل يثير سؤالًا عميقًا فحواه هل أصبح الإيمان مشهدًا بصريًا قابلًا للتفاعل والمشاركة؟
من منظور سوسيو اتصالي، يعكس هذا ما يُعرف بـ”العرض الاجتماعي للدين”، حيث يتحول التدين إلى علامة هوية تُعرض أمام الآخرين، لا بوصفه تجربة ايمانية وروحية خالصة، ويشير الفيلسوف بيير بورديو إلى أن “الرموز لا تكتسب قوتها إلا حين تُرى وتُعترف بها في الفضاء الاجتماعي”، وهو ما تفعله المنصات الاجتماعية اليوم.
ولا جزم بالضرورة أن كل ممارسة دينية رقمية زائفة، بل نحن أمام تحول مركّب بين تداخل الإيمان الشخصي مع منطق العرض الرقمي، وهنا يبرز خطر “التسليع”، حيث تصبح القيم الروحية والممارسات الدينية خاضعة لمنطق “المشاهدات والإعجابات”.
إن التدين الرقمي ليس شرًّا مطلقًا ولا برًا محضًا، لكنه دعوة لإعادة التوازن بأن نعيش الدين في جوهره لا بمظهره، وإن كان التكامل بينهما أسمى، وعلينا أن نُعيد للإيمان عمقه البعيد عن عدسات الهواتف، كما سبق وأن قال المفكر الجزائري مالك بن نبي: “إنّ التدين الحقّ لا يُقاس بمظاهر العبادات، بل بآثارها في السلوك والمعاملات.”

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *