في زمن الشبكات المفتوحة، لم يعد السيف ولا السوط وسيلة الإقصاء، بل يكفي هاشتاغ غاضب أو حملة افتراضية حتى يُلغى شخص من الفضاء العام ويُحاكم بلا قاضٍ! إننا أمام ما يعرف بـ”ثقافة الإلغاء”، حيث يتحول الاختلاف إلى ما يشبه حكما بالإعدام الرمزي.
محليا، ما إن يعبّر أحد عن رأي مخالف حتى تنهال عليه التعليقات والمقاطعات، ويختزل تاريخه كله في زلة أو موقف عابر، وكأن الخطأ لحظة كفيلة بمحو رصيد عمر، وفي هذا السياق يحضرنا قول الحق: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، تذكيرًا بأن الاختلاف لا ينبغي أن يُلغِي الفضل أو يُعمِي عن المنجَز.
من منظور سوسيولوجي، يمثل “الإلغاء” أحد أشكال العنف الرمزي كما وصفه بيير بورديو، حيث تستخدم الجماعة أدواتها لإخضاع الفرد وترويضه، لا عبر الحجة بل عبر الضغط الجمعي، والمفارقة أن هذه الممارسات تبرر عادة باسم “الحرية”، لكنها تنتهي إلى خنقها بدل توسيعها.
وقد وصف جورج أورويل هذه الظاهرة مبكرا حين حذّر من “محاكم التفتيش الحديثة للرأي”، حيث يغدو صدى الجموع الإلكترونية أشد وطأة من سلطة الرقابة الرسمية، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نريد فضاءات حوار تبني وعيا جماعيا، أم منصات إعدام رمزي؟
إن النقد حق، والمساءلة ضرورة، لكن الإلغاء المطلق يزرع الخوف بدل الجرأة، والسطحية بدل العمق، والبديل ليس الصمت ولا التمرد، بل ترسيخ ثقافة نقاشية تستوعب التنوع دون أن تُقصي المختلف.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *