كان البيت في مخيالنا زمنا طويلا؛ مأمنا وسَكينة، تحفّه الأحاديث العائلية، وينساب فيه دفء الأمومة وحزم الأبوة، ومشاعر الأخوة، أما اليوم فكم من بيت امتلأ بالأجهزة وخلا من الأرواح! يجتمع أهله على مائدة واحدة، لكن كل منهم غارق في عالمه الصغير، يبتسم لِشاشة لا تعرفه، ويغضب من كلمة لم تُقَلْ له، يهنئ هذا ويعزي ذاك!
لقد أفرزت الشبكات الاجتماعية نمطا جديدا من العزلة العائلية؛ عزلة مكتظّة بالضجيج، خالية من الحضور، حيث صار التواصل رقميا أكثر منه إنسانيا، والاهتمام افتراضيا أكثر منه واقعيا، وفي ظلّ هذا التبدّل تآكلت العلاقات داخل الأسرة، وتحوّل الدفء الأسري إلى إشعارات باردة، والحديث الهادئ إلى “منشن” متوتر 😟، والمودّة إلى “إعجاب” عابر❤.
ولم تعد الأسرة بنية مغلقة كما كانت، بل أضحت فضاء مفتوحا تتداخل فيه العوالم الواقعية بالمواقعية! وتتسرّب منه القيم دون استئذان، لقد دخلت المنصات إلى البيوت لا كـ “وسائل ترفيه”، بل كـ “فاعلين اجتماعيين” يشاركون في التنشئة، ويشكلون منظومة القيم والاهتمامات.
فما عادت الأمّ وحدها من تربي، بل “اليوتيوبر” و”المؤثر” و”التيكتوكر”؛ ولم يعد الأب مصدر الخبرة، بل محرك البحث ومجموعات الغرباء الافتراضية.
وقد حذر المفكر إيريك فروم من هذا التحول حين قال: «الإنسان الحديث يهرب من الحرية إلى التبعية، ومن الحوار إلى الصدى». وهذه التبعية هي ما نراه اليوم حين تضعف الروابط الواقعية أمام الروابط الرقمية.
إن معضلة التفكك الأسري ليست مجرد قصّة خيانة أو إهمال، بل تحوّل ثقافي عميق أعاد تعريف معنى الأنس والوجود، فإذا لم نُعِدْ للأسرة هيبتها كمدرسة أولى للوجدان، وكحضن يعلم الحب قبل المعرفة، فسنجد أنفسنا أمام أجيالٍ تعرف كيف “تتواصل” ولا تعرف كيف “تتفاهم”، تعرف كيف “تُعبّر” ولا تعرف كيف “تُحبّ”.
ولعل واجبنا اليوم أن نعيد للأسرة قدسيتها في زمن الفوضى الرقمية، بأن نغرس في قلوب أبنائنا أن البيت ليس جدرانا ولا شبكة “واي فاي”، بل دفء يربط القلوب قبل العقول.


لا تعليق