لم يعد التشتت اليوم ظاهرة عابرة أو نتيجة للإجهاد؛ بل أصبح نمطا عاما يطبع تفكير الإنسان المعاصر، ومع صعود المحتوى القصير تحول الانتباه من مهارة معرفية إلى سلعة، وصارت الفيديوهات القصيرة المصاغة بإغراء سريع لا تسرق وقتنا فقط، بل تعيد تشكيل ذاكرتنا وتركيزنا في العمق.
لقد أتقنت المنصات هندسة آلية جذب تشبه ما يسميه علماء النفس بـ”الحلقة الدوبامينية” حيث أن كل مقطع بمثابة جرعة من الأفيون، تفتح شهية الدماغ لجرعة أخرى، فتدفعه إلى تمرير لا نهائي، لا يقف عند فكرة ولا يتأمل معنى، بل يركض وراء المجهول.
وقد حذر نيكولاس كار في كتابه السطحيون من هذا التحول بقوله إن الإنترنت يعيد تشكيل أدمغتنا لنصبح “كائنات تفكر على السطح”، وهذا ما يتجلى اليوم في المحتوى القصير الذي لا يمنح العقل فرصة للبناء أو الربط أو الاستنتاج.
وتتعمق المشكلة حين نرى أثر التشتت في الإنتاج لا الاستهلاك فقط؛ فكاتب اليوم يميل لا شعوريا إلى تقطيع أفكاره كما تتقطع المقاطع، وطلاب اليوم يطلبون معلومة سريعة بدل الفهم المتدرج، إنها ما يسميه “هارتمان” بسرعة الثقافة، التي تلتهم عمق الفكر لصالح لحظة الإشباع.
ولهذا يشتكي كثيرون من النسيان وضياع الأفكار وصعوبة إتمام مهمة واحدة؛ فالدماغ الذي اعتاد تغيير المشهد كل ثانيتين، يعجز عن التركيز لخمس دقائق فالأمر سيان مثل عضلة لم تمارس سوى الحركات السريعة، فإذا طال الجهد انهارت.
ومع ذلك، يمكن ترميم الدماغ بالعادات الجيدة على نحو تقليل زمن الشاشة، الإقبال على القراءة العميقة، تخصيص ساعة يوميًا بلا هواتف، واستعادة مهارة التركيز كما يستعيد الرياضي لياقته، فالتشتت ليس مشكلة شخصية فحسب، بل تحد اجتماعي ومعرفي يمس مستقبل التفكير نفسه، ومن يملك انتباهك… يملك عقلك، ومن يملك عقلك… يعيد تشكيل عالمك.


لا تعليق