يعيش العالم هذه الأيام، اليوم العالمي للطفولة، هذه الأخيرة لم تعد كما عرفناها بالأمس، فالطفل اليوم محاط بشاشات تنثر حوله ألوانا من الصور والضوء والأصوات، تحاكي مخيلته تارة وتسلب براءته أخرى، وقد أصبح الهاتف الذكي مثل ظل لا يفارقه، وصديق يسامر وحدته، حتى وهو في زحمة الأهل والرفاق، ولقد سبق وأن قال ابن خلدون: “النفس تنشأ على ملكات المربي”، فكيف إذا كان المربي شاشة لا تنام ولا تهدأ ولا ترحم حاضر طفل ولا ماضيه؟
ولم تعد ألعاب الطين ولا رسومات الطبشور على جدران الأزقة مرايا الطفولة، فقد استبدلت بمشاهد رقمية عابرة لا تلبث أن تومض وتخبو، والطفل يركض وراءها دون أن يمسك في يده إلا ببقايا صور وخواطر، وقد نبه الباحث نيل بوستمان في كتابه “اختفاء الطفولة 1982” إلى أن “الطفولة تذوب كلما تمدد سلطان الشاشة” وهو إذ ذاك يقصد شاشة التلفاز التي يتحكم فيها ربّ الأسرة وينتقي منها ما يناسب أطفاله، فماذا تقول يا بوستمان عن الطفولة في العصر الرقمي، حيث أصبح الصغار يمتلكون شاشات بلا فلترة؟
وأشارت أبحاث حديثة إلى أن الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات يبطئ تطور اللغة والتعبير، ويزيد معدلات القلق والتوتر، ويضعف علاقة الطفل بأسرته وأقرانه، بل بات خطر السمنة والخمول الجسدي وخلل الإيقاع الحيوي للنوم واحدا من أبرز التداعيات الصحية التي تتسلل في صمت إلى تربية جيل كامل.
وعليه، فإن الواجب على أولياء الأمور والمربين أن يغرسوا في نفوس أبنائهم ساعات للفراغ خارج الشاشات، وضوءا من الحوار داخل البيوت، وأن يصححوا مفهوم الاستغراق الرقمي ليغدو علما نافعا وسلوكا رشيدا لا مجرد مهارة بلا بوصلة، فمن يملك طهارة قلب الطفل اليوم، يبني جدار الأمان لمستقبل الأمة، وذلك هو الفلاح الأكبر.


لا تعليق