...
منصة د. السعيد منصور الرقمية
جديد
صورة الكاتب

السعيد منصور

خارج المألوف

بطولات من ورق ووهم النضال والنشاط السلبي

نُشر في: 10 سبتمبر 2026

لقد ابتلي إنسان هذا العصر بداء خفي يسري في أوصال المجتمعات سريان النار في الهشيم، فبعد أن كانت ساحات الواقع تشهد مخاض التغيير الحقيقي وتتطلب بذل المهج ومكابدة الصعاب، استعاضت الأجيال المعاصرة عن ذلك بنضال افتراضي بارد لا يغادر شاشات الهواتف، وصار الفرد منا يتوهم أنه فارس مغوار يصنع التاريخ بمجرد نقرة زر أو مشاركة وسم عابر في منصات التواصل.

وفي غمرة هذا العبث الرقمي تشكلت فقاعة ضخمة من النشاط السلبي الذي يفرغ شحنات الغضب ويمتص طاقات التغيير في معارك وهمية لا طائل منها، وكأننا أمام جيوش جرارة من الأشباح تتقن الصياح في غرف الصدى المفرغة لكنها تعجز عن تحريك حجر واحد في بناء الواقع المأزوم.

وفي تشخيص اجتماعي لهذه الظاهرة المريضة نستدعي الفكر الثاقب للمفكر مالك بن نبي حين وضع يده على الجرح النازف في تشخيصه لأزمة الفاعلية في مجتمعاتنا، فما نراه اليوم من تجييش عاطفي على المنصات ليس سوى تجل صارخ لحالة الغثائية التي تفقد العمل قيمته الحقيقية وتحيله إلى مجرد ظاهرة صوتية، فالطاقة التي تهدر في الجدال الافتراضي وصناعة الترند هي طاقة مسلوبة من رصيد البناء الحضاري الفعلي.

وهذا الوهم النضالي يمنح الجماهير شعورا كاذبا بالإنجاز وتبرئة للذمة بينما تظل هياكل التخلف رابضة على صدور الأمة، وهو ما يجعل هذه المنصات بمثابة عيادات تخدير جماعي تستوعب الغليان الشعبي وتحوله إلى زفرات يتبخر أثرها بمجرد انطفاء الشاشة.

إن استنقاذ الإرادة المسلوبة يفرض علينا اليوم أن نمزق حجب هذا الوهم النضالي وأن نعود أدراجنا إلى ميادين العمل الصامت والمثمر، فلا بد من تحرير العقول من سجون هذا النشاط السلبي الذي يستنزف الأعمار في مطاردة سراب البطولات الزائفة، وعلينا أن نوقن أن التغيير المنشود ليس تغريدة تطلق في فضاء افتراضي بل هو غرس تراكمي يستلزم الصبر والثبات والتدافع في أرض الواقع.

فما أحرانا اليوم بأن نستلهم من القرآن الكريم سنن العمران وندرك أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض، لنرتقي من هشاشة العالم الافتراضي إلى صلابة الفعل الحضاري الذي يبني الأوطان ويصنع الإنسان.

شارك الموضوع: