لم يكد الإنسان المعاصر يفر من عبادة الأوثان الحجرية حتى وقع أسيرا لأوثان رقمية تنحتها خوارزميات الشاشات وتغذيها شهوة الاستعراض، فقد تحولت منصات التواصل من فضاءات للتعارف والتآلف إلى ساحات تنافسية شرسة تعرض فيها الحيوات كما تعرض السلع في الأسواق الرخيصة.
وصار الفرد منا يلهث وراء سراب الإعجابات متخذا من صنم التفاعل قبلة يولي شطرها وجهه كل حين، يرقب في شغف مريض أعداد المتابعين ويقيس قيمته الإنسانية بمقدار ما يحصده من انتباه زائف في مجتمع افتراضي لا يرحم.
وفي خضم هذا العبث الرقمي تتولد حُمى المقارنات التي تفتك بطمأنينة النفوس وتمزق أواصر الرضا، حيث يطل المرء من نافذة هاتفه على حيوات الآخرين المنتقاة بعناية والمزينة بفلاتر الوهم والمثالية الكاذبة، فيحتقر واقعه ويزدري نعمته ويقع في شراك الكآبة والاغتراب النفسي.
وهو ما يذكرنا بتحذيرات المفكر عبد الوهاب المسيري من تسليع الإنسان وتفكيكه حيث يتحول الفرد في المنظومة المادية الاستهلاكية إلى مجرد شيء يفقد جوهره الرباني ويستمد قيمته من مظهره الخارجي ومدى قبوله في سوق العرض والطلب، وهكذا تصبح الشاشة مرآة مشوهة تعكس أسوأ ما في ذواتنا من نرجسية وهشاشة.
إن النجاة من هذا التيه تستوجب يقظة روحية وعودة صادقة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وليس بالتفاعلات والتعليقات تتحدد مكانته في الوجود، بل لا بد من تحطيم هذه الأصنام الافتراضية واستعادة السكينة المفقودة عبر بناء علاقات إنسانية حقيقية تلامس الأرواح لا الشاشات.
وعلينا أن ندرك أن القيمة الحقيقية للمرء تكمن في جوهره وعمله الصالح وما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فما أحرانا اليوم بأن نغلق نوافذ الاستعراض لنفتح أبواب البصيرة ونعتق عقولنا من رق المقارنات لنحيا حياة طيبة بعيدا عن ضوضاء الوهم الرقمي.

