حصة «قيم تجمعنا» مع حمزة خلف للحديث عن الفضاء الرقمي والقيم الإنسانية
استضافت إذاعة الجزائر من الوادي والمغير الدكتور السعيد منصور، أستاذ علم الاجتماع والمتخصص في الدراسات الرقمية، ضمن حصة «قيم تجمعنا» مع الإعلامي القدير حمزة خلف، في لقاء إذاعي امتد لنحو 48 دقيقة، خُصص لمناقشة واحدة من أكثر القضايا حضورًا في حياتنا اليومية: الفضاء الرقمي وعلاقته بالمجتمع والقيم الإنسانية. وجاء اللقاء في سياق التحولات العميقة التي أحدثتها الوسائط الرقمية في طريقة تواصل الأفراد وتفاعلهم وتكوين آرائهم ومواقفهم، حيث لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح جزءًا من الحياة الاجتماعية والثقافية واليومية للأفراد والمجتمعات.
من علم الاجتماع التقليدي إلى علم الاجتماع الرقمي
ولت الحصة في بدايتها مفهوم علم الاجتماع الرقمي، بوصفه مجالًا يهتم بدراسة الظواهر والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تتشكل داخل البيئة الرقمية، وما تتركه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي من آثار في سلوك الأفراد وعلاقاتهم وتمثلاتهم وقيمهم. كما تم التوقف عند التحول الذي فرضه الفضاء الرقمي على الباحث الاجتماعي، إذ أصبح الشارع الرقمي امتدادًا للشارع الواقعي، وأصبحت المنشورات والتعليقات والمناقشات والتفاعلات الرقمية مادة مهمة لفهم المجتمع وتحولاته.
كيف غزا الفضاء الرقمي حياتنا؟
ناقش اللقاء كذلك الكيفية التي تمكن بها الفضاء الرقمي من الانتشار الواسع والتغلغل في مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من التواصل والتعليم والعمل والترفيه، وصولًا إلى تشكيل المواقف والآراء وأنماط التفكير. ولم تعد الحدود بين العالم الواقعي والعالم الرقمي واضحة كما كانت في السابق؛ فما يحدث على شاشة الهاتف قد ينعكس مباشرة على الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع.
وسائل التواصل الاجتماعي والقيم الإنسانية
خصص جانب مهم من الحوار لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في القيم الإنسانية، مع محاولة النظر إلى المسألة بعيدًا عن الأحكام المطلقة التي ترى في التكنولوجيا خيرًا محضًا أو شرًا محضًا. فمن جهة، يمكن للفضاء الرقمي أن يسهم في تعزيز قيم التعاون والتضامن والتكافل والتواصل ونشر المعرفة، وأن يتيح للناس التعبير عن مواقفهم والتفاعل مع القضايا الإنسانية والاجتماعية. ومن جهة أخرى، يمكن أن تنتج عنه بعض الممارسات التي تسهم في تراجع بعض القيم، مثل انتشار خطاب الكراهية والتنمر والإشاعة والتشهير، أو تحول التفاعل الرقمي أحيانًا إلى غاية في حد ذاته، بحيث يصبح عدد الإعجابات والمشاهدات معيارًا للحضور والقبول الاجتماعي.
الفضاء الرقمي والقيم الإنسانية: تضاد أم تكامل؟
ومن أبرز الأسئلة التي ناقشتها الحصة: هل يمثل الفضاء الرقمي تهديدًا للقيم الإنسانية أم يمكن أن يكون فضاءً لتعزيزها؟ وقد انطلق النقاش من فكرة أساسية مفادها أن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست مسؤولة عن القيم التي تنتشر من خلالها، بقدر ما يرتبط الأمر بطريقة استخدام الإنسان لها، وبالقيم التي يحملها الأفراد والمجتمعات إلى هذا الفضاء. فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون مجالًا لنشر المعرفة والخير والتعاون، كما يمكن أن يتحول إلى مساحة لإنتاج السلوكيات السلبية، ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء استخدام رقمي أكثر وعيًا ومسؤولية.
من الشاشة إلى الشارع
حرص الحوار على ألا يبقى في مستوى التنظير الأكاديمي، بل حاول ربط المحاور بأمثلة من الشارع والمحيط الاجتماعي والحياة اليومية، لأن التحول الرقمي أصبح يُلاحظ في تفاصيل العلاقات الأسرية، وطريقة تواصل الشباب، وسلوك التلاميذ والطلبة، وطريقة متابعة الأخبار وتشكيل المواقف. ومن هنا تبرز أهمية أن يواكب علم الاجتماع الرقمي هذه التحولات، وأن يساعدنا على فهم ما يحدث في المجتمع بدل الاكتفاء بمراقبة التكنولوجيا باعتبارها ظاهرة تقنية فقط.
كلمة أخيرة
يكشف هذا النقاش أن السؤال لم يعد: هل ندخل العالم الرقمي أم لا؟ فقد أصبحنا جزءًا منه بالفعل، وإنما أصبح السؤال الأهم: أي فضاء رقمي نريد؟ وأي قيم نريد أن نحملها إليه؟ فالرقمنة لا تلغي القيم الإنسانية، لكنها تعيد تشكيل طرق التعبير عنها وممارستها وانتشارها. وبينما تتسارع التكنولوجيا، تظل مسؤولية الإنسان والمجتمع قائمة في توجيه هذا التحول نحو فضاء أكثر وعيًا واحترامًا وإنسانية. استمعوا إلى التسجيل الكامل للحصة، ومدته نحو 48 دقيقة، للتعرف على تفاصيل النقاش والأمثلة التي تناولها اللقاء.
د. السعيد منصور أستاذ علم الاجتماع | متخصص في الدراسات الرقمية www.saidmansour.com