يعيش إنسان هذا العصر مفارقة عجيبة تتجلى في وفرة البيانات وضحالة التفكير، فقد فتحت الشاشات الرقمية بوابات سيل جارف من المعطيات التي تحاصرنا في كل لحظة، حتى أمسينا غرقى في محيط متلاطم من المعرفة المعلبة التي تخاطب حواسنا وتخدر وعينا، وفي غمرة هذا الطوفان المتدفق أصيبت العقول بتخمة بصرية ومعرفية أفقدتها القدرة على الهضم والاستيعاب.
فبات الفرد يستهلك الأخبار والأفكار كما يستهلك السلع الرخيصة دون تمحيص أو تدبر، والمفارقة الكبرى أن هذه التخمة المعلوماتية لم تنتج وعيا ناضجا بل أورثت صيام العقول عن الحكمة، وكأننا في صحراء قاحلة نموت فيها عطشا والماء يحمل فوق ظهورنا، لتستحيل أذهاننا إلى أوعية مثقوبة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
وفي مقاربة سوسيولوجية لهذه المعضلة نستلهم الرؤية الثاقبة للمفكر مالك بن نبي حين ميز بعبقرية بين عالم الأشياء وعالم الأفكار، فما نراه اليوم من تكديس عشوائي للمعلومات عبر منصات التواصل لا يتعدى كونه تراكما كميا ينتمي إلى عالم الأشياء الميتة، وهذا الركام الرقمي الذي يفتقر إلى ناظم منهجي يعطل فاعلية العقل ويحوله إلى مجرد مستودع سلبي لقصاصات لا رابط بينها، فالنهضة الحقيقية لا تبنى بحشو الأذهان بل بتوليد الأفكار وتفعيلها في حركة المجتمع.
وحين تغيب هذه الفاعلية يتحول تدفق البيانات إلى حجاب كثيف يعزل الإنسان عن إدراك جوهر الحقائق ويغرق مجتمعاتنا في وهم المعرفة وتسطيح الوعي، وهو ما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة من الاستهلاك الثقافي الذي لا يثمر حضارة ولا يقيم عمرانا.
إن الخروج من هذا التيه الرقمي يستوجب إعلان صوم إرادي عن هذه الموائد المعلوماتية الفاسدة، فلا بد من استعادة ملكة التأمل والتفكر التي حض عليها القرآن الكريم لبناء عقل ناقد يميز الخبيث من الطيب، وعلينا أن ندرك أن المعرفة الحقة ليست صيدا عشوائيا في شباك الخوارزميات بل هي غوص عميق في بحار الحكمة يتطلب الصبر والمكابدة.
فما أحرانا اليوم بأن نحطم أصنام التلقي السلبي ونرتقي من ضحضاح المعلومات المشتتة إلى شواطئ اليقين لنبني وعيا متماسكا يعصمنا من الغرق في هذا الطوفان، فالأمم لا تنهض بكثرة ما تحفظ من بيانات بل بعمق ما تنتجه من رؤى تنير دروب الحياة وتصلح حال الإنسان.